عبد الله بن محمد المالكي

344

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ) « 76 » . إلى قوله تعالى : ( وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) « 76 » أثنى عليهم بما فعله بهم وشكره لهم . وقال عزّ وجل : ( إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً ، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ) « 77 » قرءوا القرآن فأسهروا به ليلهم ، وصفّروا به ألوانهم ، ورهّلوا به أقدامهم ، فما ليلهم بليل ولا نهارهم بنهار . أضنوا بالقرآن أبدانهم ، وأسهروا به أعينهم ، ولبسوا الأخلاق من الثياب ، وأكلوا الكسر من خبز الشعير ، وشربوا الماء القراح ، [ و ] توسدوا الأرض . يخيل لهم أن زفير جهنم بين أيديهم وبين حجابهم ، هتكوا حجابهم وأرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم . إذا جهنم الليل ارتعدت فرائصهم وهملت أعينهم ، وكان أحدهم مثل المرأة التي تطلق « 78 » : مرة قياما ومرة قعودا ، آمل ما يكونون « 79 » أجدّ ما يكونون ، أحزن ما يكونون « 79 » ، أشوق ما يكونون « 79 » ، فمنهم من ينادي ليله الطويل : « سيدي ، نجني من شر جهنم ! » ومنهم من ينادي ليله الطويل : « يا مولاي ، العفو ، العفو ! » ومنهم من ينادي : « إله محمد ! الأمان ، الأمان ! وأن لقّني عند خروج روحي الروح والريحان » ومنهم من ينادي : « إلهي ، لا تحرمني النظر إليك ، واجعلني في جوارك » فما أقل ما صبروا ، وما أعظم ما أخذوا من جزيل عطاء اللّه الكثير . أما سمعته عزّ وجل يقول : ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) « 80 » ؟ فلنعم الجزاء جزاؤهم ، أباحهم [ مولاهم ] « 81 » بحبوحة كرامته [ و ] أنزلهم مع أخيار خلقه في جنة الخلد وملك الأبد . فاعمل يا هذا لهذا عمل من يخاف الآخرة ويرجو / رحمة ربه وجزيل ثوابه ، وكن كالثكلى التي لا تجف دموعها لعلك تنجو ، وما أراك ناجيا . عصمنا اللّه وإياك وغفر لنا ولك وتجاوز عنا وعنك » .

--> ( 76 ) سورة الذاريات الآيات 15 - 18 . ( 77 ) سورة الأنبياء آية 90 . ( 78 ) من الطلق . وهو وجع الولادة ( المعجم الوسيط : طلق ) . ( 79 ) في الأصل : ما يكونوا . ( 80 ) سورة السجدة آية 17 . ( 81 ) كلمة مأروضة في الأصل ، اجتهد الناشر السابق في سدها بما يناسب السياق .